لو ما كانش معاكم فلوس، كنتوا قلتوا لي، وكنت هتصرف. إنما ليه تعملوا كده؟ للحظة قصيرة، هديت ضحكاتهم. لكن جاك قرر إنه يحوّل كلامها لسخرية جديدة. إنتِ لسه مش فاهمة؟ إحنا مش هندفع! وبعدها لفّ مفتاح الموتوسيكل. صوت المحرك العالي غطّى على صوت ماريا وهي بتحاول تنادي عليهم للمرة الأخيرة.
استنوا! ما يصحش اللي بتعملوه ده! لكن الأربعة انطلقوا على الطريق، واحد ورا التاني، وخلّفوا وراهم سحابة تراب كثيفة. فضلت ماريا واقفة قدام المطعم، عينيها متعلقة بالطريق اللي اختفوا فيه. ما جريتش وراهم. ما صرختش. وما حاولتش تمسك حد منهم.
كانت عارفة إنهم أقوى منها جسديًا، وإن محاولة اللحاق بيهم مش هتغيّر حاجة. لكن اللي ۏجعها فعلًا ما كانش تمن الأكل. كان إحساسها إنهم بصّوا لها وشافوا مجرد ست عجوز، وافتكروا إن كبر سنها معناه إنها بلا قيمة، وإن هدوءها معناه إنها عاجزة، وإن احترامها ليهم معناه إنها تقدر تقبل الإهانة.
مسحت إيديها في المريلة، وبصّت للمطعم الصغير اللي قضت فيه سنين طويلة من عمرها. وبعدين قالت لنفسها بهدوء يا رب، اهدي الناس دي. هما مش فاهمين هما بيعملوا إيه. بعدها دخلت جوه، وقفلت الباب نص قفلة، وراحت ناحية الترابيزة اللي كانوا قاعدين عليها.
بدأت تجمع الأطباق الفاضية. طبق ورا طبق. كأن شيئًا لم يحدث. لكن قبل ما ترجع للمطبخ، وقفت للحظة، ومدّت إيدها في جيب مريلتها، وطلعت موبايلها القديم. فتحت قائمة الأسماء، وضغطت على اسم واحد. ابني. المكالمة اللي قلبت الموازين!
رنّ الهاتف مرة واحدة تقريبًا، وبعدها جه صوت رجالي هادي من الناحية التانية أيوه يا أمي، إزيك؟ كنت لسه هكلمك وأطمن عليكي. ماريا سكتت لحظة، وكأنها بتفكر إذا كانت تحكي له اللي حصل ولا لأ. وبعدين قالت أنا كويسة يا حبيبي. ما تقلقش. صوته اتغير شوية. مالك؟ صوتك مش طبيعي.
فيه حاجة حصلت؟ ماريا بصّت ناحية الترابيزة الفاضية. مفيش حاجة كبيرة. أربعة رجالة جم أكلوا عندي، ولما خلصوا مشيوا من غير ما يدفعوا. سكت ابنها للحظات. وبعدين سألها بصوت أكثر جدية إيه؟ مشيوا من غير ما يدفعوا إزاي؟ حد فيهم ضايقك؟ لأ، ما ضـ,ـربنيش حد. عليّوا صوتهم عليكي؟
كانوا بيضحكوا ويسخروا مني، لكن ما لمسنيش حد. طب إنتِ كويسة؟ حد زقك؟ وقعك؟ قال لك كلام ېخوفك؟ ماريا ابتسمت ابتسامة صغيرة رغم تعبها. يا ابني، أنا كويسة. ما تخافش عليّا بالشكل ده. لكن ابنها ما كانش مقتنع.
ماما، أنا عارفك. إنتِ طول عمرك بتقولي إنك كويسة حتى لو الدنيا مقلوبة فوق دماغك. احكي لي حصل إيه بالضبط. بدأت ماريا تحكي له من أول لحظة دخل فيها الرجالة الأربعة، وطريقتهم في الكلام، والطلبات اللي طلبوها، وإزاي أكلوا كل حاجة، وبعدها قرروا يمشوا من غير ما يدفعوا.
حكت له كمان إن واحد منهم قال لها تعتبر الأكل عزومة. في الناحية التانية، ابنها كان ساكت تمامًا. كل ما كانت بتكمل تفاصيل، كان صمته بيزيد. وفي النهاية سألها فاكرة شكلهم كويس؟ أيوه. كانوا راكبين إيه؟ وصفَت له الموتوسيكلات، وألوانها، وبعض العلامات اللي كانت عليها.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.