عزومه حماتي

نُشر منذ 3 أيام
حفظ
غلاف المقال

أذان المغرب خلص من زمان، والناس بدأت تخلص أكل وتاكل براحة وتتمط على الكراسي وتشرب المياه، وأنا لسه بلف بين السفرة والمطبخ، شايلة أطباق فاضية وحاطة أطباق تانية، وكل ما أحاول أسند ضهري على الكرسي دقيقة وأمسك صباع محشي بايد ترتعش من الجوع… ييجي صوت حماتي العالي، الرنان، اللي بيقطم السكوت ويناديني من جديد يا هناء.

. شوفي الشاي فين يا بنتي، الناس عايزه تحبس، واغسلي الطباق دي بسرعة عشان نغرف فيها الحلو!. هنا… في اللحظة دي بالذات… حسيت إن صبري خلاص، جاب آخره تماماً. الخزان فضي، والطاقة الإيجابية ا تخرت، والجوع كافر. كنت واقفة في المطبخ وماسكة صينية الشاي الكبيرة، ورجلي بتترعش وعيني مغيمة من الهبوط.

شلت الصينية وطلعت بيها الصالة، والناس كلها قاعدة مروقة اللي بيسلك سنانه واللي ماسك بطنه وبيتنهد من الشبع، ومحمود قاعد يضحك مع ابن عمه ولا على باله إن مراته بټموت من الجوع والتعب. حطيت صينية الشاي على الطاولة الصغيرة في النص، وبدأت أوزع الكوبايات.

حماتي كانت قاعدة على الكنبة الكبيرة، حاطة رجل على رجل، وماسكة كوباية الشاي بتاعتها المظبوطة، وبتبصلي بنظرة كلها فخر وغرور غريب. فجأة، حماتي سكتت، وبصت للضيوف كلهم بأعلى صوتها عشان تلفت الانتباه، وقالت بضحكة صفرا مسمۏمة هزت أركان المكان، جملة خلت الډم يتجمد في عروقي ووقفتني مكاني كأني تمثال من تلج.

قالت وقدام كل الأهل والعيلة شايفين يا جماعة مرات ابني هناء؟ الله يكون في عون محمود ابني والله.. البت صحتها على قدها وخيبتها قوية في المطبخ، لولا إني وقفت وعملت الأكل كله بإيدي من الفجر، كان زمانكم جايين تفطروا على عيش وجبنة!

أهو يدوب تنفع في المشاوير والطلبات، تجيب المياه وتغسل الصحون، الشغلانة اللي على قد عقلها وصحتها.. أهي دي آخرة اللي يتجوز بنات البندر اللي ما بيعرفوش يمسكوا حلة!. الناس كلها سكتت… الصالة قلبت مدافن في ثانية. عمام محمود بصوا للأرض بإحراج، وخالاته نصهم ابتسم بنوع من الشماتة ونصهم بصلي بشفقة.

محمود جوزي وشه احمر وبص في الأرض وما نطقش ولا كلمة، ما دافعش عني، ما قالش لأمه عيب دي تعبت معايا من الصبح وعمية عينيها بالبصل! في اللحظة دي، الدنيا اسودت في عيني، وضربات قلبي بقت زي الطبول.

الكلام نزل عليا زي الكرباج، هدم كل ذرة صبر وتحمل وجوع كنت كاتماهم جوايا. حسيت بإهانة عمري ما اتعرضت لها، وإني بقيت أضحوكة وفرجة قدام القاصي والداني. وعرفت في اللقَطة دي، إن الهدوء اللي قبل العاصفة انتهى… وإن اللي هيحصل في الدقايق الجاية، حماتي وعيلتها كلها عمرهم ما هينسوه طول ما هم عايشين في الدنيا.

بصيت لحماتي نظرة طويلة جداً، نظرة خلت ضحكتها تختفي بالتدريج ووشها يتشد. سيبت صينية الشاي من إيدي، ووقفت في نص الصالة وطولت طولي. قلعت مريلة المطبخ اللي كنت لافاها على وسطى بكل برود، ورميتها في الأرض قدام رجليها.

وبصوت عالي، جهوري، ثابت، يسمعه الأعمى والأطرش، قلت لها الشغلانة اللي على قد عقلي وصحتي يا حاجة؟ تلاتة كيلو بصل قشرتهم وعيني بتنزل دموع، وتلاتة كيلو كوسة قورتهم لما صوابعي اتعورت، والصواني دي كلها أنا اللي رصيتها ومسحت الشقة ورجلي اتورمت، وفي الآخر تقولي خيبتها قوية؟

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
Hend Abdelaziz

Hend Abdelaziz موثّق ✦ ناشر

كاتب · مصر

كاتب وروائي رقمي، متخصص في تطوير منصات النشر الإلكتروني وهندسة البرمجيات المؤسسية، والأنظمة السحابية (Cloud Computing). مهتم بالتمويل الاستثماري، الاقتصاد الرقمي، استثمارات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، الأسواق المالية …

عضو منذ 2026
1.1Kمقالًا 1متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان

رجعت من السفر روايات

رجعت من السفر

رجعت وأنا ناوي أربي بنتي وأعلّمها الأدب، بعد ما أمي قالتلي إنها ضيّعت ٣٢ ألف جنيه لكن أول …

Hend Abdelaziz 0.0 8 دقائق
رجعت من السفر2 روايات

رجعت من السفر2

كانت ملك واقفة عند الباب. أول ما شافتني، وشها اتغير. اتجمدت. وبعدين قالت بابا؟ مشيت ناحيته…

Hend Abdelaziz 0.0 8 دقائق