لما دخل الحوش، لقاها قاعدة قدام ماكينة خياطة قديمة، وبتخيط زي مدرسي أطفال. كان واضح إنها بتشتغل لساعات طويلة عشان تقدر تدفع مصاريف البيت والعلاج. وعلى الترابيزة جنبها، كانت فيه علبة مليانة إيصالات صيدلية وفواتير علاج، وكلها باسم الحاجة نوال الشناوي. أحمد مسك واحد من الإيصالات وبص فيه.
إنتِ اللي بتدفعي تمن العلاج كله؟ مريم فضلت مركزة في القماش اللي بتخيطه. أيوه. بس إزاي؟ إنتِ بتشتغلي طول اليوم عشان تعيشي، وبتدفعي علاج أمي كمان؟ ردت من غير ما تبص له لما لقيتها، ما كانش قدامي غير إني أساعدها. ما كنتش هسيبها لوحدها.
أحمد كان لسه هيسألها إزاي أمه وصلت للمكان ده، لكن يوسف ظهر فجأة وشد إيده. تعالى يا عمو أحمد، عايز أوريك حاجة! الكلمة وجعته رغم بساطتها. عموأحمد. مش بابا. لسه. مشي ورا يوسف لحد آخر الحوش، وهناك لقى شجرة ليمون صغيرة مزروعة في الأرض.
يوسف وقف جنبها وقال بحماس دي شجرة الليمون بتاعتي. أنا بزرعها وبسقيها كل يوم. ماما قالت لي لما تكبر، هتطلع ليمون كتير. أحمد ابتسم له، ومسح على شعره. ربنا يخليهالك يا حبيبي. وفجأة، سمع صوت ست من جوه البيت بتدندن لحن قديم.
لحن هادي، مليان حنان، كان أحمد يعرفه من طفولته. دي كانت تهويدة أمه اللي كانت بتغنيها له كل ليلة وهو صغير، واللي اخترعتها مخصوص عشان ينام، وما كانش يعرف كلماتها ولا لحنها غيرها. إيده ارتخت، والمفاتيح اللي كان ماسكها وقعت على الأرض.
مريم سمعت صوت المفاتيح، فخرجت بسرعة. بصت له، وفهمت إنه عرف. ما بقاش فيه فايدة من إخفاء الحقيقة أكتر من كده. مشت ناحية الباب وفتحته. كانت الحاجة نوال واقفة مستندة على عصاية، جسمها أنحف بكتير من اللي أحمد فاكره، وشعرها بقى أبيض بالكامل، وعلى كتفها بطانية خفيفة.
رفعت عينيها ناحيته، وفضلت باصة له لثواني طويلة. وبعدين ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت اتأخرت أوي يا حبيبي وإنت راجع من المدرسة! أحمد ما قدرش يستحمل. وقع على ركبته قدامها، وانهار في العياط. فضل ماسك إيديها وبيبوسها، وهي بتمسح على شعره زي ما كانت بتعمل وهو طفل.
طول السنين اللي فاتت، كان بيدفع مبالغ ضخمة كل شهر، وهو فاكر إن أمه بتتلقى أفضل رعاية في دار خاصة بسويسرا. كان بيقبل تأجيل مكالمات الفيديو، وبيصدق التقارير الطبية اللي بتتبعت له، وبيقتنع بكل مرة أخته تقوله إن وجوده ممكن يسبب لأمه توتر ويزود حالتها سوءًا.
والحقيقة إن أمه كانت عايشة في بيت بسيط، تحت رعاية الست اللي عيلته نفسها طردتها من حياتهم. رفع أحمد راسه وبص لمريم، وصوته مكسور أمي وصلت هنا إزاي؟ وإيه اللي حصل لها؟ مريم بصت ناحية أوضة النوم، وقالت الإجابة موجودة في صندوق.
بس لازم تبقى مستعد، لأن أول ما تفتحه، مش هتقدر تصدق أي كلمة قالتها لك أختك تاني. أحمد بص لها باستغراب. صندوق إيه؟ مريم سكتت لحظة، وبعدها قالت الصندوق اللي تحت سر,,ـــــيري. وفيه الحقيقة اللي كانوا فاكرين إن محدش هيعرفها أبدًا.
لكنها ما كانتش تعرف إن اللي جوا الصندوق ده مش بس هيكشف سر اختفاء أمه، ده كمان هيكشف چريمة أكبر بكتير من مجرد اتهام بالسړقة. الجزء التالت والأخير دخلت مريم أوضة النوم، وبعد شوية خرجت وهي شايلة صندوق كرتون قديم. حطته على الترابيزة وفتحته قدام أحمد.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.