كان نفسه عالي ومكتوم. لفيت عشان أشوف مين محتاج حاجة وفجأة اتجمدت مكاني. حماتي كانت واقفة قدامي. بس مش حماتي اللي فاكرها كانت لابسة عباية قديمة، هدومها مبهدلة، وشكلها اتغير، وماسكة شنطة بلاستيك مقطوعة. بصت للأرض، ومقدرتش ترفع عينيها في عيني.
بصت للمحل، للزباين، وللنعمة اللي أنا وعيالي عايشين فيها. وبصوت مكسور قالت حقك عليا يا بنتي الدنيا دارت عليا. إبراهيم طردني ورماني في الشارع، زي ما أنا رميتك زمان ومليش غير عيال ابني ياكلوني لقمة ويأووني. فضلت واقفة قدامها مش عارفة أقول إيه.
لكن قبل ما أفتح بقي سمعت صوت باب المحل بيتفتح. لفيت كان ابني الكبير داخل. أول ما شاف حماتي، وقف مكانه كأنه اتصعق، واتغيرت ملامحه، ودمه غلي وفي اللحظة دي، عرفت إن اللي جاي أصعب بكتير من كل اللي فات.
وقف ابني الكبير أحمد في مدخل المحل، كأنه صنم متسمر في مكانه، الشنطة اللي في إيده وقعت على الأرض، وعينيه اتعلقت بالست العجوزة اللي واقفة قدامي بعبايتها الدايبة وشنطتها البلاستيك المقطوعة. الزبائن كانت مالية المكان، ريحة السمك المشوي والدخان الأبيض مالي الصالة، وحس الشغل عالي، بس في اللحظة دي، حيطان المحل حسيتها بتضيق عليا فجأة، وكأن الدخان كله نزل كتم على صدـ,,ـــري.
أحمد ما كانش لسه نسي، العيل اللي شاف أمه بتطرد في نص الليل وتلم هدومها في ملايات سر,,ـــــير، وعاش سنين الشقا من يوم مكنة الفشار وغزل البنات لحد ما بقى راجل يعتمد عليه، ما قدرش يبلع المشهد بسهولة. خطا خطوة واحدة لقدام، وشه احمر وعروق رقبته نفرت إنتي مين؟
! وبتعملي إيه هنا؟! حماتي وطت راسها في الأرض أكتر، الشنطة في إيدها كانت بترتعش، ولسانها اللي كان زمان زي السيف، مش قادر يجمع كلمتين على بعض يا أحمد يا بني أنا ستك لحمك ودمك. أحمد ضحك ضحكة وجع، مليانة مرار، وصوته طلع خشن ومجروح وسط الزباين ستي؟
! دلوقتي بقيتي ستي؟! فين ستي دي لما كانت أمي بتبوس إيدك تحت عشان تسيبنا في بيتنا، وزقتنا في الشارع كأننا حشرات؟ فين ستي دي وإحنا بنمــ,,ـــــوت من الجوع وأمي بتبيع حلقان أختي عشان شقة إيجار؟! جاية ليه دلوقتي؟! جاية تشمتي ولا جاية تاخدي اللقمة اللي عرقنا فيها سنين؟
! الناس في المحل بدأت تبص، والعمال اللي شغالين في شوي السمك وقفوا وبصوا لبعض بقلق. جريت على أحمد، مسكت إيده وضغطت عليها بكل قوتي، صوتي كان طالع مهزوز بس حازم وطي صوتك يا أحمد! مش قدام الناس، مش قدام الغريب! ادخل جوة يا بني دلوقتي، ادخل واستهدى بالله.
بصلي ابني وعينيه بتلمع بدموع قهر حاول يخبيها طول السنين اللي فاتت هتدخليها بيتك يا أمي بعد كل اللي عملته فينا؟ هتعطفي على اللي رمتنا في البرد؟ دي ما تستاهلش حتى تبصيلها! قولتلك ادخل جوة يا أحمد، حسابنا مش هنا ومش قدام الزباين.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.