الشارع كان هادي، والهواء لطيف. افتكرت نفسي وأنا قاعد في العربية يوم ما اتفصلت، ماسك الدركسيون ومش عارف هعمل إيه بكرة. لو حد وقتها قال لي إن بعد شهور قليلة هكون شغال في مكان جديد، وبشارك في مشروع بيساعد شركات ومدارس تتعامل مع الطوارئ بشكل أفضل، ما كنتش هصدقه.
ولو حد قال لي إن الست اللي وقفت أساعدها هتكون سببًا في إني أقابل ناس يغيروا طريقة تفكيري عن الشغل والحياة، ما كنتش هتخيل ده. لكن الحقيقة إن محدش فينا بيعرف إيه اللي مستنيه بعد المنعطف الجاي. أحيانًا بنخسر حاجة مهمة، فنفتكر إن كل الأبواب اتقفلت.
وأحيانًا بنكتشف إن اللي اتقفل كان بابًا واحدًا بس، وإن فيه طرق تانية لسه ما جربناهاش. أنا ما ندمتش إني وقفت. ومش بقول إن الإنسان لازم يضحي بشغله أو بأمان أسرته من غير تفكير. أنا بقول إن الطوارئ محتاجة تصرفًا مسؤولًا، وإن المساعدة ممكن تبدأ بخطوة بسيطة، وإن المؤسسات لازم يكون عندها نظام واضح يحمي الناس بدل ما يجبرهم يختاروا بين ضميرهم ورزقهم.
وفي النهاية، أهم حاجة اتعلمتها كانت إن قيمة الإنسان مش بتتحدد بالمكتب اللي بيشتغل فيه، ولا بالراتب اللي بياخده، ولا برأي مدير فيه. قيمته بتظهر في اختياراته، وفي الطريقة اللي بيتعامل بيها مع الناس، وفي قدرته إنه يعترف بغلطه ويتعلم منه.
الصبح اللي بدأت فيه حكايتي، كنت فاكر إن حياتي انتهت لما مديري قال لي لم حاجتك. إنت انتهيت هنا. لكن بعد شهور، فهمت إن الجملة دي ما كانتش نهاية حياتي. كانت نهاية مرحلة بس. أما البداية الحقيقية، فكانت اللحظة اللي شفت فيها ست كبيرة واقعة على جنب الطريق، وقررت إني مش هكمل سواقة كأن شيئًا ما حصلش.
ومن يومها، بقيت مؤمن إن أحيانًا قرار واحد، مهما كان بسيطًا، ممكن يفتح طريقًا ما كناش شايفينه. وإن الخير مش ضمانة إن حياتنا هتبقى سهلة، لكنه بيخلينا نقدر نبص لنفسنا في المراية من غير ما نتهرب من الحقيقة.
أما مارغريت، فكانت دايمًا بتقول لي إن اللي حصل يومها ما كانش معجزة. كان مجرد إنسان شاف إنسانًا تاني محتاج مساعدة، وقرر ما يتجاهلوش. وأنا بقيت أقول لكل شخص بيسألني عن قصتي نفس الجملة ساعدوا الناس على قد ما تقدروا، لكن ساعدوا بعقل وأمان، وما تخافوش تطلبوا المساعدة لما تحتاجوها.
لأننا مش مطالبين ننقذ العالم لوحدنا، لكننا نقدر نخلي جزءًا صغيرًا منه أحسن. وده بالظبط اللي حاولت أعمله. مش عشان حد يشكرني. ولا عشان أرجع أثبت حاجة لمديري القديم. لكن عشان في يوم من الأيام، لما بنتي تسألني إذا كنت ساعدت حد، أقدر أبصلها وأقول لها الحقيقة.
أيوه يا حبيبتي. حاولت أساعد. واتعلمت إن الإنسان ممكن يخسر وظيفة، لكنه ما يخسرش قيمته. وإن نهاية طريق مش معناها نهاية الرحلة. وإن أحيانًا، أكتر لحظة بنفتكر فيها إن حياتنا بتنهار، بتكون هي نفسها اللحظة اللي بتبدأ بعدها حكاية جديدة.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.