دي النهاية. يا ريت أقدر أقول إني خرجت بكرامتي. يا ريت أقدر أقول إني اديته خطبة قوية عن الولاء والإنسانية، وإنه هيندم على اللي عمله في يوم من الأيام. الحقيقة كانت أوحش من كده بكتير. وشي سخن. زوري اتقفل. وقبل ما ألحق أمنع نفسي، عيني دمعت.
لفيت بسرعة لدرجة إني كنت هوقع الشنطة. سمعت كرسي بيتزق ورايا، وبعدها مفيش غير صوت خطواتي التقيلة وأنا طالع من المكتب اللي اديته كتير من نفسي، وخطيت في نور الشمس الصبح بدري، حاسس كأني راجل بيطردوه من حياته. أول ما دخلت عربيتي، قفلت الأبواب.
وبعدين مسكت الدركسيون وصرخت. مش كلام، مجرد صوت مكسور طالع من جوايا. مكنتش أعرف إن الست اللي وقفت أساعدها كانت على وشك تدور عليّا. الجزء التاني المكالمة اللي قلبت يومي فضلت قاعد في العربية حوالي عشر دقايق، مش قادر أتحرك ولا حتى أشغل المــ,,ـــــوتور.
كنت ببص من خلال الإزاز على مبنى الشركة اللي كنت معتبره بيتي التاني. أربع سنين من عمري اتصرفوا هناك، أربع سنين كنت فاكر إن تعبي وإخلاصي هيكون ليهم قيمة، وإن لو جه يوم واتزنقت، الناس اللي وقفت معاهم هيفتكروا إني كنت موجود وقت ما احتاجوني.
لكن الحقيقة ظهرت في أقل من خمس دقايق. أنا بالنسبالهم كنت مجرد موظف ممكن يستبدلوه بواحد غيره. واحد يغطي مكاني، وياخد مكتبي، ويستخدم الكمبيوتر اللي كنت بقعد قدامه ساعات طويلة، ويبدأ من أول وجديد كأن السنين اللي فاتت دي ما حصلتش.
مسحت وشي بكُم القميص، وبعدين طلعت الموبايل من جيبي. كان عندي سبع مكالمات فائتة من مراتي، وثلاث رسائل منها. فتحت أول رسالة. صباح الخير يا حبيبي. البنات بيسألوا هترجع بدري النهارده ولا لأ. متنساش إن ليلى عندها تدريب المدرسة بعد الضهر.
ابتلعت ريقي بصعوبة. مراتي، إيميلي، كانت فاكرة إني لسه في الشغل، بتحاول تنظم يومها على أساس إن كل حاجة ماشية زي العادة. فتحت الرسالة التانية. إنت كويس؟ حاولت أكلمك كذا مرة. وبعدين التالتة. لما تفضى كلمني. بحبك. حطيت الموبايل على رجلي، وفضلت أبص له.
كنت محتاج أقول لها إني اتفصلت. كنت محتاج أقول لها إن المرتب اللي معتمدين عليه في الإيجار والفواتير ومصاريف المدرسة ممكن يقف فجأة. وكنت محتاج أقول لها إن السبب كله إني وقفت أساعد ست كبيرة وقعت قدامي على الطريق.
الغريب إني رغم كل اللي حصل، لو رجع بيا الزمن لنفس اللحظة، كنت هقف أساعدها تاني. كنت هعمل نفس الحاجة بالظبط. لكن ده ما كانش هيحل المشكلة اللي قدامي. أنا عندي بنتين، واحدة عندها تسع سنين والتانية عندها ست سنين، ومراتي بتشتغل ساعات قليلة في مكتبة مدرسة، والمرتب بتاعها بيساعدنا، لكنه مش كفاية لوحده.
كان عندنا قسط عربية، وإيجار، وفواتير، ومصاريف كتير بتظهر كل شهر من غير استئذان. شغلي ما كانش مجرد وظيفة. كان مصدـ,,ـــر الأمان الوحيد اللي كنت متأكد إنه موجود. أو على الأقل كنت فاكر كده. شغلت العربية أخيرًا، وخرجت من الباركينج.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.